عماد الرب يسوع وعيد الظهور الإلهي (عيد الغطاس 6 كانون الثاني/ يناير )

بقلم: نيافة المطران انطوان يعقوب راعي ابرشية القديس انطونيوس في استراليا ونيوزيلندا لكنيسة الوحدة

يُعتبر عيد الغطاس المعروف باسم الابيفانيا أي الظهور الإلهي أحد الاعياد السيدية الكُبرى ، وهو الثالث في الأهمية بعد الميلاد والقيامة في طقس الكنيسة البيزنطية . ويُسميه كل من القديسيّن غريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيسي عيد الأنوار لأن فيه اعتمد السيد المسيح « النور الحقيقي الذي يُنير لكل انسان آت إلى العالم ، ولأن الشعب الجالس في الظُلمة أبصرَ نوراً عظيماً  » (متى4: 16) . فيسوع هو نورالعالم الذي جمع العالمين معاً ، العالم السماوي والعالم الأرضي ، ولاتزال الكنيسة الجامعة المُقدسة الرسولية تُضيىء الشموع الكثيرة في هذا العيد ، ويتبارى الناس في ايقاد الشموع ، وذلك تعبيراً عن النور الإلهي الذي دخلَ إلى العالم في ذلك اليوم ، أي يوم عماد الرب يسوع ، والذي فيه بدأ خدمته العلنية ليُنير على العائشين في ظلمة الخطيئة،  فيوقظهم من غفلتهم ، ويُعيدهم اليه. هذا وتُسميه الكنيسة الغربية عيد الشموع Candlemas day لأن فيه يقبل الناس على ايقاد الشموع رمزاً لنور المسيح الذي تنازل وتجسد ليُخلصنا.

– عماد السيّد المسيح

عندما بلغَ السيّد المسيح الثلاثين من عمره تركَ الناصرة حيث كان يقيم مع أمه وجاءَ إلى الأردن ليعتمد من يوحنا المعمدان .
في هذا العيد ظهر الله بأقانيمه الثلاثة ( راجع كتابنا التثليث في المسيحية) لذلك يُسمى بعيد الظهور الإلهي . كما يُسمى بالغطاس لأن المسيح اعتمد من يوحنا بالتغطيس في نهر الاردن .
تنازل السيد المسيح وأكملَ الناموس وذهب من الناصرة إلى الأردن ليعتمد من يوحنا قبل أن يبدأ رسالته العلنية ، وذلك ليكون مثلاً يُحتذى به في التواضع ، إذ وهو الإله الخالق تنازل وتواضع واعتمد من يوحنا مُكرماً إياه ليضع يده على رأسه.

– سبب استخدام الماء في العماد

اعتمد السيد المسيح بالماء لا بالدهون كما كان يفعل الكهنة مع الملوك إذ يمسحوهم بالدهون وذلك للأسباب التالية – راجع كتابنا « تُحفة السائلين في معرفة أسرار المسيحيين : ج1 سر العماد-:
– كانت جبلة الانسان الأولى بالماء، لذلك شاءَ سبحانه، أن تتمَ الجبلة الثانية من المعمودية بالماء أيضاً.
– لاتسغنى كل الكائنات الحية عن الماء ، لأنه يروي العطشان ، ويُطفىء النار، ومن ثمَّ فماء المعمودية تُطفىء وتُزيل نار الشهوات وتغسل وسخ الخطايا.
– الماء يُستعمل للتطهير والتنظيف لذلك استعمل في المعمودية لتتطهر أجسامنا من الخطيئة.
– الماء موجود في العالم كله فيسهل على الراغبين في المعمودية إيجاد الماء.
– ان السيد المسيح قدس الأرض بدفنه فيها ، وقدس الماء باعتماده منها، وقدس الهواء حين رُفِعَ على الصليب.

* قد نتساءل لماذا اعتمد السيّد المسيح في نهرِ الأردن بالذات ؟

لقد اعتمد السيد المسيح في الأردن للأسباب التالية:
– لقد عبر منه يشوع إلى أرض الميعاد فخلّص شعبه ، لذلك فاعتماد المسيح فيه اشارة إلى عبور كل من يعتمد فيه بالروح ودخوله ملكوت السموات.
– لقد اجتاز فيه إيليا النبي قبل صعوده إلى السماء على عربة نارية، وفي ذلك اشارة إلى أن من يعتمد فيه يصعد أيضاً إلى السماء.
– فيه تطّهرَ نعمان السرياني من مرض البرص ، وفي ذلك رمز إلى من يعتمد فيه سيتطّهر من برص الخطيئة.
– كان للأردن عينان ، إحداهما تُدعى نون وتُستخدم لري الأرض ، والثانية تُدعى دنان وكانت تُستخدم للشرب منها ، فاعتماد المسيح فيه اشارة إلى اجتماع الأمم مع شعب الله في نعمته.
– ان مرور الأردن في بحيرة طبرية بغير أن يختلط ماؤه العذب بماء البحيرة المالح ، اشارة على أن من يعتمد العماد الروحاني، وهو في العالم، لايشترك في خطايا العالم.

– هل وضع يوحنا يده على رأس السيد المسيح في العماد؟

لم تذكر البشائر بأن يوحنا المعمدان وضعَ يده على رأسِ المسيح أثناء عماده له ، غير أن ذلك كان مألوفاً في ذلك الوقت ، وجاءَ على ذكره العهد القديم والجديد . فقد قال الله ، سبحانه وتعالى، لموسى أضع يدي عليك . ووضعَ موسى يده على هرون عندما رسمه كاهناً . وفي العهد الجديد أيضاً لاتتم الرسامات الكهنوتية إلاَّ بوضع يد الأسقف على الشخص المرسوم، فلابد والحال هكذا أن يوحنا قد وضعَ يده على رأس المسيح فحمله خطايا العالم الذي افتداه على خشبة الصليب . ويعتقد بعض شراح الكتاب المُقدس أن نعمة الكهنوت الذي وهبها الله لموسى على جبل سيناء ونقلها موسى إلى هرون صارت تتوارث حتى وصلت إلى يوحنا المعمدان الذي أعطاها للمخلص حين وضع يده على رأسه وقال له « أنت الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق ».

– لماذا اعتمد المسيح وعمره ثلاثين سنة (لو3: 23) ؟

كانت هذه السن ، السن القانونية التي يجوز فيها اللاويين لأي شخص أن يُباشر وظيفته ، ففيه الكمال عقلاً وجسماً(عد4: 3) . فتاريخ المسيح واضح جداً ، لأنه هرب إلى مصر وعمره سنتان ، وأمضى في مصر حوالي 3 سنوات ، ثُمَّ عادَ إلى الناصرة وأقام فيها حوالي 25 سنة ، ثُم اعتمد في الأردن وعمره 30 سنة ، ومات على الصليب وعمره 33 سنة . فاختيار سن الثلاثين كان للأسباب التالية:
– المعروف أن الله ، سبحانه وتعالى، خلق آدم رجلاً مُكتملاً في العمر ، أي في سن الثلاثين ، لذلك وجبَ أن يعتمد آدم الثاني مُنقذ آدم الأول في نفس السن.
– أمضى السيد المسيح طوال سنينه الماضية في اتمام الشريعة ، حتى أصبح رجلاً مُكتملاً عقلاً وجسماً ، لذلك اعتمد بعدها وواصل رسالته العلنية الخلاصية، ولو باشر السيد المسيح مُهمته التي جاءَ من أجلها قبل سن الثلاثين لتعرض للنقد ، ولأعرض عنه الجميع ، إذ لم تجر العادة أن يسمع الناس لصغار السن – راجع كتابنا أين كان المسيح من سن 12 إلى 30 سنة؟- .
– رقم 30 هو تكرار لرقم 10 ثلاث مرات . ورقم 3 عدد كامل رمز لظهور الثالوث الأقدس ، وعلى تجربة الشيطان له 3 مرات ، وعلى قيامته من بين الأموات بعد ثلاثة أيام. هناك من يقول أننا في القيامة العامة سنقوم في سن الثلاثين باعتبار المعمودية رمز لموتنا وقيامتنا مع المسيح.
أمّا بالنسبة لعماد سائر التلاميذ فيقول القديس أبيفانيوس أسقف قبرص أن يوحنا الثاولوغوس عمد والدة الإله ، وهذا أيضاً مع بطرس عمدوا بقية الرسل .

* تاريخ العيد

كانت مُعظم الكنائس حتى قُرب نهاية القرن الرابع تُعيّد لميلاد المسيح وعماده معاً عيداً واحداً يُسمى الابيفانيا باعتبار أن الميلاد والعماد يُؤديان مضمونا واحدا هو استعلان وظهور لاهوت المسيح للعالم . فالميلاد أظهر الإبن مُتجسداً ـ ناسوت المسيح ـ والعماد أظهر الثالوث الازلي ـ لاهوت المسيح ـ أو الميلاد الازلي للمسيح كإبن الله ، والميلاد البشري والزمني بالتجسد كإبن الانسان. يقول القديس ابرونيموس « في الميلاد آتى إبن الله إلى العالم مُتخفيا، أمَّا في المعمودية فقد ظهر علناً للعالم « . وهكذا أيضاً يقول القديس يوحنا الذهبي الفم « لم يعرف الشعب يسوع قبل المعمودية وأمَّا في المعمودية فقد ظهر للجميع »(عظة 37 على العماد).
في المعمودية أُعلِّن ملء الإله الحقيقي والإنسان الحقيقي مع الإتحادِ بالآب والروح القدُس .
ففي هذا اليوم أعلّن الآب من علوِ السماء محبته وانشراحه بإبنه المسيح « هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت » والروح القدُس نزلَ عليه بشكل حمامة ، وكرّمه ومسّحه علناً أمام الجميع . ولهذا نسمع الرّب يسوع يقول عن نفسه في مجمعِ الناصرة « إن روح الرّب عليَّ ولأجل ذلك مسحني وأرسلني لأُبشر المساكين وأشفي مُنكسري القلوب « (لو3: 18) .
ثُمَّ رأت الكنيسة المُقدّسة ضرورة فصل العيدين فاختص الميلاد بالتجسّد الإلهي أو بميلاد الطفل يسوع، والغطاس أو عماد المسيح بالظهور الإلهي .
هذا وقد عاصر القديس يوحنا الذهبي الفم فترة فصل العيدين ووضع طقس كل منهما ، فقد ذكر ذلك في إحدى عظاته التي ألقاها سنة 386 وفيها يقول  » ان عيد الغطاس فيه تمَّ استعلان لاهوت الرّب يسوع للجميع ، في حين انه في ميلادهِ ظلَ مخفياً عن الجميع « .
وفي عظة أُخرى للقديس غريغوريوس النزينزي أُلقيت سنة 381 يظهر أن لعيد الغطاس طقس خاص مُستقل عن طقس عيد الميلاد . وقد أُعتبر هذا العيد عُطلّة رسمية في كلِّ دواوين الإمبراطورية منذ عصر الامبراطور ثيودوسيوس العظيم (379-395).
وقد أخذّت الكنيسة الاحتفال بهذا العيد من الرسُل انفسهم بدليل ما جاءَ في أوامرهم  » فليكُن عندكُم جليلاً عيد الظهور الذي هو الغطاس ، لأن الرّب بدأ يُظهر فيه لاهوته في معموديتهِ في الأردن من يوحنا واعملوه في يوم 6 من الشهر العاشر للعبرانيين « (دس18)
ويقول الصفي ابن العسال  » لا تعملوا في عيدِ الحميم ـ الغطاس ـ لأن فيه ظهرّت لاهوتية المسيح وشهدَ له الآب في العمادِ ونزلَ عليه الروح القدُس بشبه حمامة وظهرَ الذي شهدَ له للقيام ان هذا هو الله الحقيقي وابن الله »( المجموع الصفوي ص197ـ 198) .
وقد شاعَ منذ بدء الاحتفال بهذا العيد ، بين كل المُؤمنين عادة تقديس المياه للتقديس والشفاء ـ إذ يقول الكاهن في صلاةِ تقديس المياه مُباركاً الماء بالصليب  » قدس هذا الماء ، وامنحه نعمة الاردن . ليكُن ينبوعاً للبرّكة ، وموهبة طاهرة ، ليحلّ من الخطايا ، ويطرد الأمراض  » ـ وعماد الاطفال . مع أن الكنيسة كانت قد حدّدت ثلاثة مواسم لاجراء سر العماد وهي: يوم السبت الكبير ، ويوم الخمسين الذي حلّ فيه الروح القدُس على التلاميذ ، وعيد الغطاس ، إلاَّ أن أغلّب العمادات تّتم في عيدِ الغطاس.
وهكذا يقول القديس غريغوريوس النزينزي عن عماد الأطفال « الواحد يقول سأنتظر حتى عيد الغطاس ، والاخر يقول بل سأنتظر عيد القيامة ، وثالث يقول سأنتظر يوم الخمسين « . وعن موضوع تقديس المياه يقول القديس يوحنا الذهبي الفم  » وفي هذه المُناسبة التي لذكرى عماد المُخلّص التي فيها قدسَ طبيعة الماء ، اعتادَ الشعب عند انصرافه أن يأخذ معه من الكنيسة جُزءاً من المياه المُقدسة ويحتفظوا بها ـ لتقديس منازلهم وللشرب منها ـ .وقد لُوحظ انها تبقى صافية نقية لمُدة سنة أو سنتين أو ثلاث سنين « .
هذا وطقسنا البيزنطي تُهيىء لعيد الظهور الإلهي بتقدمة تدوم أربعة أيام ، تبدأ من 2 كانون الثاني / يناير فتُرنم الكنيسة في الأيام الثلاثة الأولى  » استعدي يازبولون ، وتأهبي يا نفتاليم ، وأنتَ يا نهر الأردن قف واستقبل بطرب السيد الآتي ليعتمد . إجذل ياآدم مع الأم الأولى ، ولاتختبأ كما في الفردوس قديماً، فإنه لما رآكما عارييّن ظهر ليُلبسكا الحلّة الأولى. لقد ظهرَ المسيح مريداً أن يجدّد الخليقة كلّها ». هذه الترنيمة التي تحوي الفكرة الرئيسية للاستعداد لمعمودية المسيح الذي سيجدّد كل الخليقة بها.
وفي اليوم الرابع 5 كانون الثاني / يناير المُسمى البارامون تطلُب الكنيسة من المؤمنين أن يصوموا إلى الظهر وينقطعوا عن أكل الزفر تهيئة للعيد بالصلاة وإماتة الجسد ، وتضع على أفواههم نشيد البارامون وفيه اشارة إلى فعل المعمودية في النفس وتقديس المياه التي كانت بفعل الطوفان رمز الموت وصورته، وقد تحولت بمعمودية المسيح إلى ينبوع ماء ينبع إلى الحياة الآبدية (يو4: 14) ان نهر الأردن قد تراجع يوماً برادء إليشع بعد أن ارتفع إيليا ، وانغلقت المياه إلى هنا وهناك وصار له الرّطبُ طريقاً يابساً ، فكان حقاً رمزاً للمعمودية التي نعبر بها سبيل العمر الزائل. المسيح ظهر في الأردن ليقدّس المياه.
– ظهور المسيح الإله والمسيح الانسان في الغطاس
اذا رجعنا إلى الاناجيل الأربعة نجد أن كل انجيل يُقدم لنا بداية استعلان المسيح بطريقة مُعينة . ويُمكننا أن نُقسم الاناجيل إلى مجموعتين :
* المجموعة الاولى : ـ تُقدم لنا المسيح ابن الانسان ـ وتضم انجيل كل من مُعلمنا متى ومُعلمنا لوقا ، إذ يُقدمان لنا السيد المسيح مولوداً بالجسد في بيت لحم . فهو المسيح ابن الانسان . ونراهما يُدّعمان حدث الميلاد الإلهي بكل النبوات السابقة التي أشارت إلى مولده مثل : » ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا « (اش 7: 14) وأيضاً  » لأنه يولد لنا ولد ونُعطى إبنا وتكون الرئاسة على كتفه ويُدعى اسمه عجيبا مُشيرا إلهاً قدير أباً أبديا رئيس السلام « (اش9 :6). ولهذا نرى القديس لوقا ينقل كلام أو بشارة الملاك بقوله  » ولد لكم اليوم مُخلص »(لو2: 11) .
* المجموعة الثانية : ـ تُقدّم لنا المسيح ابن الله الازلي ـ وتضم انجيل كل من مُعلمنا مرقس ومُعلمنا يُوحنا ويُقدمان لنا السيد المسيح الإله مُعلناً في بنوته الأزلية . ولذلك يبدأ القديس مرقس باستعلان المسيح بالعماد أو الغطاس وليس بالميلاد كما فعل القديس متى والقديس لوقا بل نراه يقول عن عماده « وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات قد انشقت والروح نازلا مثل حمامة عليه. وكان صوت من السموات يقول أنت ابني الحبيب الذي به سُررت « (مر1: 10ـ 11) وهُنا يكشف لنا البشير حقيقة المسيح الإلهية المُختفية وراء صورة تجسّده والقديس يوحنا الحبيب يُقدّم لنا السيّد المسيح قبل التجسّد ، ويُفسّر لنا علاقة المسيح الذاتية الازلية بالآب عندما قال: » في البدءِ كان الكلّمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله « (يو1:1).. »والكلمة صار جسّداً وحلّ بيننا ورأينا مجدّه مجداً كما لوحيد من الآبِ مملوءاً نعمة وحقاً »(يو1: 14) . وهكذا يتضح لنا أن بالتجسّد انكشفت بنوّة المسيح الازلية للآب . وهكذا نرى بوضوح أن البشائر الاربعة تُكّمل بعضها . فبينما تُظهر بشارة كل من متّى ولوقا المسيح الانسان ، تُظهر بشارة كل من مرقس ويوحنا المسيح الإله.
فالـميلاد أظهرَ الـمسيح الإنسان ، والعماد أظهر الـمسيح الإله. فالكلمة الازلي أصبح مولوداً بالجسد في بيت لحم (ابن الانسان) ، كما ظهرت ازليته والوهيته في نهر الاردن حين انفتحت السموات وحل الروح القدس عليه بهيئة حمامة ، وصوت من السماء يقول  » هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت ».
والمُتمعن في كلام الانجيل المُقدس ، يرى بوضوح ما بعده وضوح ظهور واستعلان المسيح الانسان والمسيح الإله في بشارة الملاك جبرائيل للعذراء حين قال لها : » الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلي تُظللك ، فلذلك أيضاً القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله »(لو1: 35). ( راجع ما كتبناه في كتابنا « طبيعتا المسيح الإلهية والإنسانية) .

– معاني الغطاس في حياتنا

لعماد السيد المسيح في نهر الأردن معاني كثيرة في حياتنا نذكُر منها:

* انفتاح السماء
كلنا يعرف أن السموات أُغلقت في وجه الإنسان بعد سقوط أبوينا آدم وحواء في خطيئة العصيان . لكن في يوم العماد تغيّر حالنا ، إذ انفتحت السموات أمامنا . ولهذا يقول لنا جميعاً ما قاله لنثنائيل : « منذ الآن ترون السموات مفتوحة ، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان « ( يو1: 51) . وهذا معناه زوال العهد العتيق وبداية العهد الجديد . وانقضاء الحياة القديمة بما فيها من عصيان وخطيئة ، وبداية الحياة الجديدة مع المسيح وفي المسيح، وانتهاء عهد الظلمة والظلام ، وبداية عصر النور والخلاص .
ان عماد السيّد المسيح في نهر الأردن فتحَ لنا باب السّموات الجديدة بواسطة العهد الجديد ووفقاً لشريعة المسيح الجديدة .
ونزول المسيح وتجسّده على الأرض العتيقة ، ووقوفه في نهر الأردن ليغسل عار وخطيئة هذه الأرض ، ويُطّهِر ماءها . اذن نحن بصدد سماء جديدة ، وأرض جديدة ، وعهد جديد ، وحياة جديدة . انه عصر البرّ الأبدي كما يقول مُعلّمنا بطرس : » انها آية المسّيا . سموات جديدة وأرضًا جديدة يسكُن فيها البرّ « (2بط 3: 13) ففي عماد المسيح في مياهِ الأردن ، نجد شاطىء الآمان والنجاة الذي به حصلنا على الخلاص والبرّ.
لقد وقفَ السيّد المسيح وسط مياه الأردن كفلك نوح الذي وقف وسط طوفان خطيئة الانسان ، يُصلح كل غرائز الانسان وطبائعه المستوحشة .
نزول الروح القدس بهيئة حمامة على المسيح ، ليشد انتباهنا إلى أهمية المعمودية التي جازها المسيح . وهكذا نلنا الخلاص بدخول المسيح في مياه الاردن .
يقول القديس اغسطينوس التائب  » بجوار نهر الأردن ننظُر ونتأمل كما في منظرٍ إلهي موضوع أمامنا. لقد أعلّن لنا إلهنا نفسه بكونه الثالوث. جاء يسوع واعتمد بواسطة يوحنا المعمدان ـ « الرب بواسطة العبد ، مثالا للإتضاع . أظهرَ لنا في اتضاعٍ أن المحبة قد كملّت . وعندما قال له يوحنا : » أنا مُحتاج أن أعتمد وأنتَ تأتي إليَّ . أجابَ اسمح الآن ، لأنه هكذا يليق بنا أن نُكمل كل بر ». وعندما انفتحت السموات ونزل الروح القدُس في شكلِ حمامة ، تبعه صّوت من السماءِ قائلاً : »هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررّت » إذن هُنا أمامنا الثالوث كما لو كان مُنفصلاً :
الآب في الصوت ،
و الإبن في الإنسان ،
والروح القدس في شكل حمامة.
هُنا يظهر لنا الثالوث القدوس مُتمايزاً ، الواحد عن الآخر. إنهم ثلاثة أقانيم ومع ذاك فهو الله الواحد المُثلّث الأقانيم، ومع ذلك فإن الإبن غير الآب والآب غير الإبن ، والروح القدس ليس بالآب ولا بالإبن . نحن نعلم أن هذا الثالوث الذي لاينطّق به يسكُن في ذاتهِ يُجدِّد الكُل ، يخلق ، يدعو ، يُدين ويُخلِّص ، هذا الثالوث هو كما نعلّم لاينطق به وغير مُنفصل » فتعالوا نُرّتل معاً للمسيح المُعتمد قائلين :
 » في اعتمادك ياربُ في نهر الأُردن ، ظهر السجود للثالوث . فإن صوتَ الآب كان يشهدُ لك ، مُسّمياً إياك ابناً محبوباً . والروح بهيئة حمامة يُؤيدُ حقيقةَ الكلمة . فيا من ظهرَ وأنارَ العالم أيُها المسيح الإله المجدُ بك « .
وبهذه المُناسبة ، ادعو جميع الآباء والأمهات إلى الإسراعِ في تعميدِ الأطفال حتى يكون لهم نصيب مع المسيحِ الإله مُخلِّص البشرية.

* كيفية الاحتفال بالعيد
كان المؤمنون الأوَّل يُضيئون الشموع والمشاعل ، وتُقام الولائم من الصباح حتى يحين وقت الصلوات ، فيغطس الناس للتبرُّك – وتذكر بعض المراجع أن المسلمين كانوا يُشاركون المسيحيين احتفالاتهم بعيد الغطاس خلال القرن العاشر والحادي عشر في عصر كل من الدولتين الأخشيدية والفاطمية ، وكان الخليفة يحضر بنفسه حفلة الغطاس ، ويُقدم الهبات والهدايا للموظفين المسيحيين بمناسبة هذا العيد – وقد تعوَّد الناس عمل الحلويات المختلفة كالعوامات أو الزلابية والمشبك وأصابع زينب ، وكلّها من الطحين / الدقيق وتُقلىَ بالزيت وفطائر اللحم الـمفروم .
ويُعتبر يوم الغطاس ، ليلة القدر فكل ما يطلبه المرء في هذا اليوم يُستجاب له ، لأن السماء تكون مفتوحة في هذا اليوم . وفي هذا اليوم تتسابق العائلات في تعميد أطفالها لأن فيه المسيح قد عُمِدَ.

هذا وتحية المسيحي في هذا اليًوم
الدايم دايم يعيده عليكم بنعمه وبركاته

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.